الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
156
مناهل العرفان في علوم القرآن
و « بضاعتنا ردّت إلينا » بإشمام الكسر مع الضم . و « مالك لا تأمنّا » بإشمام الضم مع الإدغام . ثم قال ابن قتيبة أيضا : « ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده ، طفلا ويافعا وكهلا ، لاشتدّ ذلك عليه ، وعظمت المحنة فيه ، ولا يمكن إلا بعد رياضة للنفس طويلة ، وتذليل للسان ، وقطع للعادة . فأراد اللّه برحمته ولطفه ، أن يجعل لهم متّسعا في اللغات ، ومتصرّفا في الحركات ، كتيسيره عليهم في الدين » ا ه . فأنت تراه قد اعتبر اللهجات وطرق الأداء صراحة في هذه الكلمات . وكذلك نجد العلامة ابن الجزري ، يعترف بهذا الاختلاف في اللهجات ، ويقول ما نصّه : - وهذا يقرأ « عليهم ، وفيهم » بضم الهاء ، والآخر يقرأ « عليهمو ، ومنهمو » بالصلة . وهذا يقرأ « قد أفلح ، وقل أوحى ، وإذا خلوا إلى شياطينهم » بالنقل ، والآخر يقرأ « موسى ، وعيسى » بالإمالة . وغيره يلطّف . وهذا يقرأ « خبيرا بصيرا » بترقيق الراء ، والآخر يقرأ « الصّلاة ، والطّلاق » بالتفخيم ، إلى غير ذلك » ا ه . ولكن من العجب العاجب أن هذين الإمامين الجليلين ، اللّذين اعترفا صراحة باختلاف اللهجات وطرق الأداء على هذا الوجه ، فاتهما أن ينظماه في سلك الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن تيسيرا على الأمة . والعصمة للّه وحده . فالأحقّ والأدقّ ما ذهب إليه الرازي ! . ولعل هذه الدقة ، وهذا الشمول الذي وفّق إليه الرازي في الوجوه السبعة هو التنقيح الذي نوّه به ابن حجر ، إذ قال . « وقد أخذ ( أي الرازي ) كلام ابن قتيبة ونقّحه » . وليس معناه الاتحاد بينهما ، لما علمت من وضوح الفرق ؛ وأن كلام الرازي أعمّ من كلام أولئك الثلاثة عموما مطلقا .